يتبع معظم زوار الضفة الغربية للأقصر الدائرة ذاتها: وادي الملوك، ومعبد حتشبسوت، ومدينة هابو. هذه هي الخيارات الصحيحة لأول زيارة — إذ تُعدّ من أعظم المواقع الأثرية القديمة في العالم. غير أن على بُعد 12 كيلومتراً جنوب مرسى العبّارة، في المكان الذي تتوقف عنده معظم الحافلات السياحية، يُخفي طرف الصحراء شيئاً تتجاوزه تلك الحافلات جميعاً: قصر الملقطة، أضخم إقامة ملكية شُيّدت في مصر القديمة.
ما ستجده هناك اليوم هو أُسُس وطوب طيني متناثر وبقايا جدران ملوّنة غارقة في الرمال. غير أن هذه الأُسُس تُمثّل مدينة ملكية تمتد على نحو 50 هكتاراً — قصور ومكاتب إدارية ومعبد مكرّس لآمون، وأحياء سكنية وورشات، وبحيرة احتفالية حُفرت خصيصاً لمهرجانات اليوبيل لأمنحتب الثالث. في الفترة الممتدة بين نحو 1360 و1350 ق.م، كانت هذه المدينة العاصمة الموسمية لأقوى إمبراطورية على وجه الأرض.
التاريخ والسياق
بنى الملقطة أمنحتب الثالث (حكم 1391–1353 ق.م)، أحد أكثر بناة المملكة الحديثة طموحاً وأبرز دبلوماسييها، وذلك في العقود الأخيرة من حكمه. كان الغرض الأساسي منه استضافة احتفال الحب-سد — وهو مهرجان اليوبيل الذي يُحتفل به بعد 30 عاماً من الحكم، ويتكرر كل بضع سنوات، ويُؤكّد استمرار أهلية الفرعون للحكم عبر سلسلة من التحديات الطقسية. وكان بناء مجمع قصري جديد لهذا الغرض في حد ذاته إعلاناً صريحاً عن القوة والثروة.
ضمّ المجمع القصرَ الملكي الرئيسي (المزيّن بالكامل بجداريات ملوّنة — مشاهد صيد وزخارف نباتية ورسوم هندسية وشخصيات من الميثولوجيا المصرية)، وقاعات الاستقبال التي كان أمنحتب يستقبل فيها الوفود الأجنبية، وحجرات خاصة للملكة تي والأسرة الملكية، ومرافق إدارية وتخزينية، ومعبداً. وبالقرب من المجمع، حُفرت بحيرة احتفالية كبيرة لأغراض المهرجانات.
عاش أمنحتب الثالث هنا مع الملكة تي — إحدى أشد قرينات الفراعنة نشاطاً في السياسة عبر التاريخ المصري — وأطفالهما، من بينهم إخناتون مستقبلاً. تزامنت العقود القليلة من استخدام القصر مع العصر الذهبي الدبلوماسي لمصر: فرسائل أمارنا، التي عُثر عليها في مكان آخر، تُوثّق حجم المراسلات بين أمنحتب الثالث وحكام الشرق الأدنى، وكان الملقطة سياقاً لجزء من ذلك العالم.
بعد وفاة أمنحتب الثالث، نقل إخناتون العاصمة إلى أمارنا — مدينته التي شيّدها عمداً وكرّسها لقرص الشمس آتون — وأُهجر الملقطة. وبدون الإقامة المستمرة وأعمال إعادة البناء التي حافظت على صمود المنشآت الطيبية الأخرى، تراجع المجمع تدريجياً عبر القرون إذ استُخدمت طوبته في أعمال البناء المحلية. وحين وثّق علماء الآثار الأوروبيون الموقع للمرة الأولى في القرن التاسع عشر، لم يتبقَّ سوى أُسُس وشظايا متناثرة.
ما الذي بقي وما الذي يُخبرنا به
كشفت الحفريات التي أُجريت في الملقطة — بما فيها الأعمال المبكرة لمتحف متروبوليتان للفنون، والتحقيقات الجارية التي تضطلع بها فرق يابانية ومصرية — عن شظايا جصّ ملوّن وبلاطات خزفية وبطاقات جرار نبيذ (تحمل سجلات لسنوات الإنتاج والكميات)، فضلاً عن أدلة على مخطط القصر. يكشف لنا هذا المجموع أشياء لا تستطيع المعابد والمقابر إخبارنا بها: ما كانت تشربه الأسرة الملكية، وكيف كان القصر مزيّناً على مستوى العين، وكيف كانت تعمل سلاسل التوريد الإدارية، وشيئاً من إيقاع الحياة اليومية في البلاط.
تُظهر الجداريات الملوّنة — حتى في شكلها المجزّأ — قاموساً زخرفياً مختلفاً عن فن المعابد. كانت جدران القصور تحمل مشاهد من الأهوار والطيور والرياضيين والثيران، لا المواكب الدينية والأنساب الإلهية. هذا التمييز ذو دلالة عميقة: كان فن المعابد مصنوعاً للآلهة، أما فن القصور فقد صُنع ليحيا فيه البشر.
يمنح الحجم الهائل للمجمع — 50 هكتاراً وبحيرة احتفالية خاصة به — الملقطة قيمة بالغة أيضاً لفهم ما كان يعنيه مفهوم “الملكي” في المملكة الحديثة، بعيداً عن العمارة العامة الشامخة في الكرنك ومعبد الأقصر.
زيارة الملقطة
الملقطة في متناول الزائر، غير أنه يتطلب سعياً — فهو ليس ضمن مسارات الضفة الغربية المعتادة، ولا تشير إليه لافتات من الطريق الرئيسي.
الوصول إليه: على بُعد نحو 12 كيلومتراً جنوب مرسى عبّارة الضفة الغربية. التاكسي من المرسى (اتفق على أجرة ذهاب وعودة مسبقاً، بحوالي 100–150 جنيه مصري) هو الخيار العملي. بعض سائقي الضفة الغربية المتمرسين يعرفون الموقع؛ وقد يحتاج آخرون إلى إرشادات. يُستحسن أن يُرتّب فندقك مسبقاً لسائق مطّلع على الموقع.
الوصول والدخول: لا يوجد في الملقطة مكتب لبيع التذاكر ولا رسوم دخول وقت كتابة هذا النص، وإن كانت الترتيبات في مواقع الضفة الغربية النائية عُرضة للتغيير — تأكد من الوضع الراهن من مرشد محلي أو فندقك قبل جعله الوجهة الأساسية ليوم زيارة. التضاريس رملية وغير منتظمة؛ يستلزم الأمر ارتداء أحذية متينة.
ما ستراه: أُسُس وجدران طوب طيني ومنظر صحراوي. تستلزم زيارة الملقطة قدراً من الخيال في مواجهة هذه البقايا المجزّأة — ما هو مرئي لن يُبهرك للوهلة الأولى، لكن الحجم يصبح واضحاً كلما تجوّلت في المكان، وغياب الزوار الآخرين يمنح الموقع صمتاً لا تستطيع المواقع الكبرى في الضفة الغربية أن تُوفّره.
الجمع بين الزيارات: يقع الملقطة جنوب مدينة هابو ويمكن الجمع بينهما في زيارة واحدة خلال نصف يوم. نظراً للمسافة التي يستلزمها الوصول، يستحق الأمر الاستفادة القصوى من وقتك على الضفة الغربية.