تقع وادي الملوك على بُعد دقائق قليلة بالسيارة، ومقابرها واسعة وفخمة. أما بيت هوارد كارتر فلا ينطبق عليه أيٌّ من هذين الوصفين. يجلس فوق تلة منخفضة على الضفة الغربية للأقصر، مبنىً متواضع من طابقين بجدران جيرية بيضاء ومنظر يطل على السهل الطيبي — ذلك النوع من الأماكن التي يختارها عالم آثار عامل لا بحثاً عن الراحة، بل قرباً من موقع العمل.
وهذا بالضبط ما كان عليه. صمّم كارتر هذا البيت وأنشأه عام 1910 ليكون منزلاً ومكتباً ميدانياً في آنٍ واحد، حتى يتمكن من الإشراف على أعمال الحفر في وادي الملوك دون الاضطرار إلى التنقل اليومي من مدينة الأقصر. عاش هنا وعمل حتى وفاته عام 1939، ومن هذا البيت نسّق الاكتشاف الأثري الأشهر في القرن العشرين: مقبرة توت عنخ آمون سليمةً طيّ الكتمان، التي عُثر عليها في نوفمبر 1922.
اليوم يُحوَّل إلى متحف صغير. ليس الموقع الأكثر إثارةً على الضفة الغربية، لكنه ربما يكون الساعة الأجدر بالاهتمام التي تقضيها في الأقصر، لمن يريد استيعاب القصة الإنسانية خلف القناع الذهبي.
من هو هوارد كارتر؟
بدأ هوارد كارتر (1874–1939) مسيرته في مصر رساماً، ينسخ نقوش المقابر لإصداراتٍ أكاديمية — وهو عمل أتاح له قاعدة غير مألوفة لعالم آثار، إذ درّب عينيه على الدقائق التي جعلت سجلاته الحفرية لاحقاً بالغة الدقة والتفصيل.
انتقل بعدها إلى أعمال الحفر، وفي عام 1907 أبرم شراكةً مع اللورد كارنارفون، النبيل البريطاني الثري الذي موّل أعمال الحفر المتواصلة في وادي الملوك. استمرت هذه الشراكة خمسة عشر عاماً، لم يعثر خلال معظمها كارتر على ما يستحق الذكر. وبحلول عام 1922، كان كارنارفون على أهبة الاستعداد للتوقف عن تمويل عمليات الحفر كلياً.
أقنعه كارتر بتمويل موسم أخير واحد. وفي نوفمبر من تلك السنة، اخترق قدم أحد العمال قمة درجة حجرية — كانت الأولى من ستّ عشرة درجة تنحدر إلى باب مختوم. حين أحدث كارتر ثقباً صغيراً في الباب الداخلي وأمسك بشمعة قربه، سأله كارنارفون: هل يرى شيئاً؟ فكان جواب كارتر — “نعم، أشياء رائعة” — واحداً من أشهر الجمل في تاريخ علم الآثار.
احتوت مقبرة توت عنخ آمون (KV62) على أكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية، ظلت بمنأى عن أي مساس منذ عام 1323 قبل الميلاد. واستغرق كارتر وفريقه عشر سنوات لتوثيقها وإفراغها بالكامل.
ما تحتويه الدار والمتحف
رمّمت مؤسسة المركز الأمريكي للبحوث في مصر (ARCE) هذه الدار في إطار مشروع انصبّ اهتمامه على التثبيت الهيكلي، والحفاظ على أثاث كارتر الأصلي، والارتقاء بتجربة الزيارة مع الإبقاء على الدار أقرب ما يكون إلى هيئتها في حياة كارتر.
والنتيجة متحف يوحي بأنه مسكون لا مُعروض، حيٌّ لا جامد. إليك ما ستجده:
- مكتب كارتر وآلته الكاتبة وأوراق عمله — أدوات عالم آثار في عشرينيات القرن الماضي، حين كانت التوثيق يعني سجلات مكتوبة بخط اليد ومخططات مرسومة باليد. وكان مستوى الدقة الذي أولاه كارتر لعمله استثنائياً بمقاييس أي عصر.
- صور فوتوغرافية تاريخية — لقطات بالأبيض والأسود من أعمال الحفر ذاتها، تُظهر كارتر وكارنارفون والعمال المصريين في مراحل مختلفة من تنظيف KV62. تمنح هذه الصور حجماً وملمساً لقصة تظل مجردة دون مشاهدتها.
- نموذج مُستنسَخ لغرفة الدفن في مقبرة توت عنخ آمون — إعادة تشكيل تفصيلية للضريح الداخلي، بما فيه الأضرحة المتداخلة والتابوت. بالنسبة للزوار الذين سبق لهم مشاهدة KV62 أو يرغبون في فهمها قبل الزيارة، هذه هي الطريقة الأوضح لاستيعاب تخطيط الغرفة، بعيداً عن قيود الإضاءة والزحام في الموقع الأصلي.
- مقتنيات كارتر الشخصية — عصيّ المشي، والأدوات المنزلية، والقبعات، وأشياء يومية تُرسّخ المتحف في حقيقة رجل عاش وعمل هنا لعقود.
التخطيط لزيارتك
الترتيب يهم: زُر بيت كارتر قبل وادي الملوك لا بعده. يوفر البيت القصة الخلفية — أساليب كارتر، وسنوات البحث الطويلة، ولحظة الاكتشاف — التي تجعل الوقوف داخل KV62 تجربةً مختلفة جوهرياً عن مجرد السير في ممر مزخرف.
كيفية الوصول: رحلة تاكسي بخمس دقائق من مكتب تذاكر وادي الملوك، أو يمكن إدراجها بسهولة في جولة مع سائق يومي على الضفة الغربية.
- ساعات العمل: 9:00 صباحاً – 4:00 مساءً
- التذاكر: 220 جنيهاً مصرياً (بالغ) / 110 جنيهاً مصرياً (طالب) للأجانب — 10 جنيهاً مصرياً (بالغ) / 5 جنيهاً مصرياً (طالب) للمصريين
- التصوير: مسموح به بوجه عام في كل أرجاء المتحف
- الوقت اللازم: 45–60 دقيقة
إمكانية الوصول: الدار مدمجة وتتمحور حول مستوى رئيسي واحد، وبها درجات أقل حدةً من معظم مواقع الضفة الغربية.
قريب منه: اجمع الزيارة مع وادي الملوك (5 دقائق بالتاكسي)، ومعبد حتشبسوت (10 دقائق)، ودير المدينة (10 دقائق) لقضاء يوم كامل على الضفة الغربية.