بعض الاكتشافات تغيّر التاريخ، وبعضها يغيّر طريقة تفكيرنا في التاريخ. حين فتح هوارد كارتر ثقباً صغيراً في باب مختوم في وادي الملوك في نوفمبر 1922، فعل الأمرين معاً. كانت تلك اللحظة صغيرة — رجل واحد فقط وشمعة ونظرة خاطفة إلى غرفة مظلمة — لكنها كانت أيضاً عظيمة. اكتشف المقبرة شبه المتكاملة للملك الشاب توت عنخ آمون، المليئة بآلاف القطع التي حوّلت علم المصريات وأشعلت افتتاناً عالمياً.
من كان هوارد كارتر، المكتشف الصبور الدقيق
كان هوارد كارتر عالم آثار مدرّباً، لا المستكشف المغامر الذي كثيراً ما يُتخيَّل. كرّس عقوداً لدراسة المواقع الأثرية المصرية، مفضّلاً التسجيل المنهجي على الحفريات المثيرة. جاء تمويله من اللورد كارنارفون، الكونت الخامس لكارنارفون، الذي دعم عمل كارتر في وادي الملوك بعد عام 1907. دون هذا الدعم المالي، لما استمر بحث كارتر الدقيق عن مقبرة ملكية لم تُمسَّ. تجسّد شراكتهما التعاون بين علماء الآثار المحترفين والرعاة المتحمسين في علم الآثار مطلع القرن العشرين.
المشهد: وادي الملوك — لماذا حافظت تلك الرمال على السر
يقع وادي الملوك على الضفة الغربية للنيل بالقرب من الأقصر. في هذه المنطقة شيّد فراعنة الدولة الحديثة مقابرهم في الصخر لحماية رحلتهم إلى الحياة الآخرة. على مر السنين، نُهبت مقابر كثيرة، لكن بعضها ظل مخفياً تحت الرمال وأكواخ العمال والمنشآت اللاحقة. ساعدت التضاريس في الحفاظ على هذه الأسرار. عمل فريق كارتر بالقرب من منطقة أكواخ العمال أمام مقبرة رمسيس السادس، وهو موقع صعب كثيراً ما كانت البنايات اللاحقة تغطي فيه المداخل الأقدم.
من مميزات الوادي التي أسهمت في الاكتشاف:
- تركيز كثيف من المقابر المشيّدة عبر الأجيال.
- بنية تحتية عمالية كانت تغطي المداخل وتخفيها.
- مزيج من المقابر المنهوبة وغير المنهوبة، مما يعني أن البحث الدقيق كان لا يزال بمقدوره الكشف عن دفن سليم.
الجدول الزمني — خطوة بخطوة حتى نوفمبر 1922
لم يكن الاكتشاف مفاجئاً؛ بل استلزم عدة خطوات دقيقة على مدى أسابيع.
في مطلع نوفمبر 1922، استأنف كارتر العمل قرب أكواخ العمال واكتشف الدرجة الأولى من سلّم يتجه نزولاً. كان ذلك أول تلميح، صغير لكن واعد.
في الرابع والخامس من نوفمبر 1922، كشفت حفريات إضافية عن باب مختوم. أدرك كارتر وفريقه أهميته وأغلقوه لدراسة دقيقة.
في السادس والعشرين من نوفمبر 1922، نقر كارتر ثقباً صغيراً في الباب المختوم واستخدم شمعة لينظر بداخله. سأله اللورد كارنارفون، الذي كان ينتظر بالقرب، “هل ترى شيئاً؟” فأجاب كارتر — وقد رُوي قوله بصيغتين: “نعم، أشياء رائعة” أو “نعم، إنه رائع.” كانت هذه الإجابة ملائمة تمام الملاءمة لما كان وراء الباب: غرفة مليئة بالأشياء الذهبية والمطلية بالورنيش والمزخرفة. غدت تلك اللحظة أيقونية: شمعة صغيرة تضيء كنوز القرون.
من أواخر نوفمبر إلى ديسمبر 1922 وما بعده، تحقق كارتر وفريقه من المحتويات وصنّفوها وتعاملوا مع اهتمام الصحافة. كان عليهم الموازنة بين فضول الجمهور وإشراف السلطات المصرية والعمل التفصيلي في توثيق القطع الأثرية ونقلها.
هذا النهج البطيء الدقيق — بدلاً من الاستيلاء المتسرع — هو جزء مما يجعل حفرية كارتر مثالاً رئيسياً في علم الآثار.
اللحظة — “أشياء رائعة” وشمعة في ثقب
تخيّل ثقباً ضحلاً في باب مختوم. شمعة تضيء الظلام، وعند أول وميض لها ترى أسطحاً تلمع بالذهب. عكست كلمات كارتر المسجّلة “نعم، أشياء رائعة” دهشته بوصفه عالم آثار للتو اكتشف دفناً ملكياً شبه مكتمل. وقد باتت هذه العبارة ترمز إلى الاكتشاف ذاته: شخصية وإنسانية، وأقل دراماتيكية بعض الشيء من الكنوز المخبّأة خلف الباب.
تتميز القصة لأن كارتر وفريقه أخذوا وقتهم الكافي. صوّروا المقبرة بعناية قبل تحريك أي قطعة؛ وأعدّوا قوائم ووضعوا ملصقات على الصناديق. وثّق هاري بيرتون، المصوّر من المتحف الميتروبوليتاني، المكتشفات بالتفصيل. وضعت صوره الاستثنائية معياراً رفيعاً للتصوير الأثري وساعدت الجمهور على فهم المقبرة. حوّلت صور بيرتون — التي تُظهر الغرف كما وُجدت وصوراً مُرتَّبة للقطع — القطعَ الأثرية إلى رموز وأذكت الاهتمام العالمي بالاكتشاف.
ما تم اكتشافه — المقبرة والغرف والكنز
اكتشف كارتر مقبرة صغيرة بالمعايير الملكية المصرية، لكن محتوياتها المحفوظة جيداً جعلتها استثنائية.
التخطيط
– سلّم مدخل وممر.
– غرفة أمامية مليئة بالأثاث والصناديق والقطع النذرية.
– غرفة الدفن مع ضرائح متداخلة وتوابيت.
– غرف الكنز مع العربات والأسلحة والقطع الأصغر.
أبرز المكتشفات
– القناع الجنائزي الذهبي الصلب لتوت عنخ آمون، الذي يرتبط به الناس فوراً بالملك الطفل.
– ضرائح متداخلة وثلاثة توابيت داخل بعضها البعض، تنتهي بغطاء المومياء المطليّ بالذهب.
– آلاف القطع الأخرى، بما فيها المجوهرات والعربات والألعاب والملابس والأثاث وأوعية الطعام والتماثيل الصغيرة. كثيراً ما تذكر المتاحف والباحثون نحو 5000 قطعة مُصنَّفة من المقبرة، وهو رقم مثير للإعجاب لدفن واحد.
ضمن التصنيف الدقيق والتصوير الحفاظَ على سجل كامل للموضع الأصلي للقطع، حتى حين شُحنت إلى القاهرة وعُرضت لاحقاً. ولا يزال هذا السجل يدعم الصون والتفسير والبحث العلمي.
الأساليب والتوثيق وأخلاقيات الحفريات
مزج نهج كارتر أفضل أفكار عصره مع تحيزاته.
على الجانب الإيجابي:
ركّز على التوثيق الدقيق. استخدم التصوير والملاحظات المفصّلة لإنشاء أحد أكثر السجلات الأثرية اكتمالاً من حفريات مطلع القرن العشرين.
رزم القطع ووضع ملصقاتها بعناية، مما أسهم في تسهيل التصنيف والدراسة لاحقاً.
غير أننا بحاجة إلى الاعتراف بالسياق الاستعماري:
قاد الحفرية عالم آثار بريطاني بتمويل من أرستقراطي بريطاني. نُقلت القطع الأثرية وفق قواعد وسياسات كانت تصبّ في مصلحة الفرق والمتاحف الأجنبية.
منذ عام 1922، تصاعدت النقاشات حول الملكية وإعادة القطع إلى أوطانها والمعاملة الأخلاقية للتراث الثقافي. في أيامنا هذه، تتفاوض المتاحف والحكومات على اتفاقيات معقدة بشأن العرض والصيانة وإعادة القطع.
لا تُقلّل هذه النقاشات الأخلاقية من القيمة العلمية لتوثيق كارتر، لكنها تساعدنا على فهم الاكتشاف من منظور السلطة والسياسة والملكية الثقافية.
“اللعنة” والضجة الإعلامية
فور الكشف عن كنوز المقبرة، ظهرت عناوين صحفية مثيرة. توفي اللورد كارنارفون عام 1923 جرّاء لدغة بعوضة مصابة بعد جراحة. أجّج هذا الموت أسطورة “لعنة الفراعنة”. أحبّت الصحف قصة المستكشفين الذين يواجهون لعنات قديمة عقاباً من الماضي. بيد أن المؤرخين والعلماء أثبتوا أن هذه “اللعنة” اختراع إعلامي لا حقيقة أثرية.
لم يُعثر في مقبرة توت عنخ آمون على أي نقش لعنة جنائزية. وعاش معظم من عملوا في المقبرة سنوات طويلة بعد الاكتشاف، ولا يشير نمط الوفيات بين المشاركين في الحفرية إلى أي شيء خارق للطبيعة.
ومع ذلك، أفضت قصة اللعنة إلى موجة “توتانخمانيا”، وهوس شمل معارض وأزياء وأفلاماً وتصاميم مستوحاة من مصر. أثّرت الاكتشافات في أسلوب عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي ومنحت المتاحف معرضاً عالمياً لا تزال تديره باهتمام بالغ حتى اليوم.
التصوير والخيال العام — دور هاري بيرتون
الصور التي التقطها هاري بيرتون هي سبب رئيسي لبقاء اكتشاف المقبرة راسخاً في الذاكرة العامة. قدّم عمله:
- توثيقاً واضحاً للغرف والقطع الأثرية المنفردة.
- صوراً مذهلة نُشرت في المجلات والصحف والكتب، مما عزّز غموض المكتشفات وجمالها.
- معياراً رفيعاً لكيفية تصوير الآثار، لا يزال يؤثر في هذا المجال حتى اليوم.
هذه الصور أكثر من مجرد رسوم توضيحية؛ فهي وثائق تاريخية مهمة وقطع ثقافية أثرية بحد ذاتها.
الإرث الطويل — من العلم إلى المتاحف العالمية
لماذا لا تزال هذه القصة ذات أهمية؟
لعلم المصريات: توفّر مقبرة توت عنخ آمون معلومات مهمة حول طريقة دفن الملوك وثقافة الأسرة الثامنة عشرة. يدرس المرممون والعلماء القطع الأثرية لفهم المواد والتقنيات والحياة اليومية القديمة.
للثقافة العامة: حوّلت “توتانخمانيا” المتاحف إلى أماكن للترفيه والتعلم معاً. أظهرت المعارض الكبرى، ولا سيما الجولة الأمريكية الشهيرة في السبعينيات، كيف يمكن لاكتشاف أثري واحد أن يرفع أعداد زوار المتاحف وحصيلة التبرعات وتصميم المعارض.
للبحث المستمر: تواصل الأساليب الجديدة في التصوير ودراسات الحمض النووي وتحليل المواد الكشفَ عن تفاصيل جديدة عن توت عنخ آمون وعائلته والقطع المدفونة معه. في الآونة الأخيرة، تعاونت المتاحف والمسؤولون المصريون لتقديم المجموعة الكاملة لجماهير جديدة.