يقف تمثالان جالسان، يبلغ ارتفاع كل منهما نحو 18 مترًا — أي ما يقارب ارتفاع مبنى من ستة طوابق — في سهل طيبة منذ أكثر من 3400 عام. يتجهان شرقًا نحو الشمس المشرقة، وأيديهما مستقرة على ركبتيهما، وقد كادت ملامحهما تُمحى تمامًا بفعل الطقس والزمن. وهما أكثر الآثار المستقلة وضوحًا للعيان على الضفة الغربية للأقصر، حيث يمكن رؤيتهما من الطريق الرئيسي قبل الوصول إلى أي من مواقع وادي الملوك، ولا تكلّف زيارتهما شيئًا.
لم يكن المقصود من تمثالي ممنون في الأصل أن يكونا معلمين مستقلين. بل كانا حارسي مدخل المعبد الجنائزي لأمنحوتب الثالث — الذي كان، عند اكتماله، أكبر مجمع معابد في طيبة، أكبر حتى من الكرنك. وقد زال المعبد تقريبًا بالكامل. أما التمثالان فقد بقيا.
من بناهما ولماذا
حكم أمنحوتب الثالث مصر خلال الأسرة الثامنة عشرة، في الفترة الممتدة تقريبًا بين عامي 1391 و1353 قبل الميلاد، خلال ما يعدّه علماء المصريات عمومًا أكثر فترات مصر ازدهارًا وإنتاجًا ثقافيًا. وكان برنامجه البنائي واسعًا — فأضاف إضافات كبيرة إلى الكرنك، وبنى البحيرة الاحتفالية في ملقطة، وأمر ببناء معبده الجنائزي الخاص على الضفة الغربية بحجم يهدف إلى تجاوز كل ما سبقه.
كان التمثالان يقفان عند المدخل الشرقي للمعبد، أول ما يراه الزوار المقتربون منه. ويصور كل تمثال أمنحوتب الثالث جالسًا على عرشه، ويداه على ركبتيه، ونظره متجه شرقًا. وتحمل العروش نقوشًا بارزة تصور هابي، إله النيل المرتبط بالفيضان السنوي والخصوبة الزراعية. وتصور شخصيات أصغر على جانبي العرشين الملكة تي (زوجته) وموتمويا (والدته) — ولم يكن وضعهما في هذا الموقع خيارًا تزيينيًا ثانويًا، بل كان بيانًا يتعلق باستمرارية السلالة الحاكمة والعلاقات الأسرية الملكية.
يزن كل تمثال نحو 720 طنًا، واستُخرج من كتلة واحدة من الحجر الرملي الكوارتزي من محاجر جبل الأحمر قرب عين شمس — التي تُعدّ اليوم جزءًا من القاهرة الكبرى، على مسافة تزيد على 700 كيلومتر باتجاه أعلى النيل. وتمثّل لوجستيات قطع هذه الكتل ونقلها وتشييدها إحدى أبرز الإنجازات الهندسية في عصر الدولة الحديثة.
لماذا يُسمَّيان “ممنون”
لا صلة للاسم الحديث للتمثالين بمصر على الإطلاق. فبعد أن هشّم زلزال عام 27 قبل الميلاد النصف العلوي من التمثال الشمالي، بدأ يحدث شيء غير معتاد عند الفجر: كان الحجر المتصدع يصدر صوتًا عندما تُدفئه شمس الصباح — صفير أو أزيز ناتج عن التمدد الحراري السريع للكوارتزيت المشبع بقطرات الندى. وربط الرحّالة اليونانيون والرومان، القادمون إلى مصر بميثولوجيتهم الخاصة، هذا الصوت بممنون — وهو ملك إثيوبي وابن إيوس (ربة الفجر)، قاتل ومات في طروادة. وحسب الأسطورة، كانت إيوس تبكي ابنها كل صباح؛ فأصبح صوت التمثال عند الفجر استجابة ممنون لأمه.
جذبت هذه الظاهرة الحجاج من أنحاء العالم الروماني. زارها الإمبراطور هادريان في عام 130 بعد الميلاد؛ وكتبت الشاعرة البلاطية جوليا بالبيلا أبياتًا في الموقع نفسه حين “غنّى” التمثال للإمبراطور. وتبقى أكثر من 107 نقوش باللغتين اليونانية واللاتينية محفورة على قاعدة التمثالين وأرجلهما — سجل زوار قديم منقوش في الحجر.
توقف الصوت نهائيًا عندما أمر الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس بإصلاح التمثال الشمالي نحو عام 199 بعد الميلاد. ومن المرجح أن الإصلاح سدّ الشقوق التي كانت تُصدر هذا الصوت.
المعبد المفقود
يُعدّ السياق الأصلي للتمثالين — المعبد الجنائزي لأمنحوتب الثالث — أهم أثر مفقود في الأقصر. وكان عند اكتماله يغطي مساحة تزيد على 35 هكتارًا، أكبر من مجمع الكرنك، ويشمل صروحًا وأفنية ومقاصير ومئات التماثيل. وجاء دماره من اتجاهات متعددة: فقد بُني المعبد على أرض منخفضة معرضة لفيضان النيل السنوي، وألحقت به الزلازل أضرارًا متكررة، واستخرج الفراعنة اللاحقون (بما فيهم رمسيس الثاني) حجارته لمشاريعهم البنائية الخاصة.
ويعمل مشروع حفظ تمثالي ممنون ومعبد أمنحوتب الثالث — وهو مبادرة مشتركة بين وزارة السياحة والآثار المصرية وعلماء آثار دوليين — على استعادة ما تبقى. وكشفت الحفريات عن مئات التماثيل، وأجزاء من تماثيل أبي الهول، وعناصر معمارية تعطي صورة جزئية عن حجم المعبد السابق. ويستمر المشروع، والموقع المحيط بالتمثالين يواصل الكشف تدريجيًا عن مزيد من ماضيه المدفون.
زيارة التمثالين
يقف التمثالان على الطريق الرئيسي للضفة الغربية، ويمكن رؤيتهما من الطريق والوصول إليهما في أي وقت. لا يوجد سور، ولا شباك تذاكر، ولا رسوم دخول.
- الدخول
- مجاني
- ساعات الزيارة
- مفتوح على مدار الساعة — لا يوجد سور
- التصوير
- غير مقيّد
- الوقت اللازم
- 10 إلى 15 دقيقة لزيارة من الطريق؛ وأطول إذا تجولت حول القاعدة لفحص النقوش
- الوصول
- تمر جميع سيارات الأجرة والسائقون الخاصون في الضفة الغربية بالتمثالين على الطريق الرئيسي؛ ويتوقف معظمهم دون أن يُطلب منهم ذلك
ما يجب ملاحظته: النقوش القديمة التي تركها الزوار (باليونانية واللاتينية) محفورة على قاعدة وأسفل أرجل التمثالين. وهي متآكلة لكنها مقروءة في ضوء جيد. ونقوش العرش التي تصور هابي والشخصيات الملكية الصغيرة أكثر وضوحًا على التمثال الشمالي منها على التمثال الجنوبي.
أفضل إضاءة: الصباح الباكر، حين يواجه التمثالان الشمس المشرقة — الاتجاه نفسه الذي يواجهانه منذ 3400 عام. فالضوء على الكوارتزيت المتآكل في السابعة صباحًا أفضل بكثير للتصوير من الوهج المسطح في وقت الظهيرة.
الدمج مع مواقع أخرى: يُعدّ التمثالان نقطة انطلاق أو ختام طبيعية لأي يوم على الضفة الغربية. فهما يقعان على الطريق المؤدي إلى مدينة هابو (10 دقائق جنوبًا)، بالقرب من قصر ملقطة (مقر الإقامة الملكي لأمنحوتب الثالث، على مسافة 12 كم جنوبًا)، وعلى الطريق المؤدي إلى مفرق وادي الملوك. وتضيف وقفة قصيرة مدتها خمس دقائق سياقًا مفيدًا لأي زيارة للضفة الغربية دون أن تؤثر فعليًا على الجدول الزمني.